ماقل ودل ” العضة بالجلال ” !!

مقالات 17 يونيو 2020 0 211
ماقل ودل ” العضة بالجلال ” !!
+ = -

أ . د. عبدالكريم الوزان
العراقيون على وجه الخصوص ، وبقدر المصائب والمحن التي حاقت بهم عبر سنين طوال عجاف ، يذكرون الله كثيرا ويحمدونه ، ويهونون على أنفسهم بأنفسهم ، او على بعضهم البعض ، وحينما ينأى الخطر عنهم بعد تعرضهم لأي حادث يرددون ..الحمد لله ( العضة بالجلال ) ، أو ( أجت العضة بالجلال ). فما معنى ( الجلال ) ، وما أصل حكاية هذا المثل الشعبي ؟.
بقول الكاتب عبد السكوتي ” الجلال : هو مايوضع على ظهر الحمار ، ليكون ركوبه سهلا ، وهذا المثل يقال للذي يتعرض الى مشكلة ولايتأثر إلا بشيء قليل منها ، وفي الأربعينيات ، كانت امانة بغداد تمتلك عددا من الحمير والخيل ، وتعمل هذه الحمير في نقل النفايات والفحم ، لتعود في نهاية الدوام الى اسطبلاتها ، لتكون تحت حراسة السائس ن الذي يقدم لها العلف والماء، وفي يوم من الايام نشبت معركة كبيرة بين الحمير، فاستدعي السائس ، وراح يشرح للمدير مَنْ من الحمير تسبب في العراك ، ….بيك ، الحمار الرمادي ، رفس الحمار الابيض ، والحمار الابيض عض الحمار الجوزي ، والحمد لله صارت العضّه بالجلال. ضجر المدير، وغضب وقال للسائس : ولك ياجلال ، تلترباع الحمير صنفت ، وراح انبيعها لهل العتيك(1)!!.
جال ببالي هذا المثل وقصته وأنا أستذكر وفاة شقيقي المرحوم حسام الوزان قبل أيام . فبعد أن ادخل مستشفى النعمان ببغداد للعلاج من ضيق بالتنفس ، قلنا سهلة ( العضة بالجلال ) ، ومرت أيام وهو هناك ، وحاول مغادرة المستشفى بسبب كثرة الاصابات والوفيات بجائحة كورونا ، لكن تم اقناعه ، وانتظار نتيجة الفحص ، لكنها لم تظهر ، على الرغم من رقوده بضعة أيام ، فاضطر لتركها متوجها الى داره ، وهناك ازدادت حالته سوءَ فأعيد الى مستشفى النعمان ، وبدورها رفضت استقباله وقالوا : ( مقبطه)!! ، فحملوه نحو كثير من المستشفيات الخاصة وهو يصارع الموت ، دون أن تفلح محاولاتهم الحثيثة ، بسبب الشك من اصابته بالجائحة ، وجميعها ( تخاف على سمعتها )!!، مع إن موضوع اصابته بالبلاء سيء الذكرلم يحسم بعد . أخيرا اهتدوا الى مستشفى اليرموك ، فتنفسنا الصعداء وقلنا ..الحمد لله ( العضة بالجلال ) ، وفيها تم أخذ مسحة منه ، وظل لأيام أخر دون ان تظهر المسحة ، لامن مستشفى النعمان ، ولا اليرموك ، حتى فارق الحياة .
وبعد تسلم جثمانه الطاهر صدرت شهادة الوفاة ، وأشير فيها اصابته ( بكورونا ) ، ولانعلم ، هل داهمه الفيروس في مكان استطبابه الأول أم الثاني !!. وايمانا بقضاء الله وقدره تم نقله حيث اكرامه وفق التعليمات والأصول ووري الثرى للقاء ربه الكريم .
في اليوم الثاني كانت المفاجأة ، فقد اتصلت ادارة مستشفى اليرموك بشقيقي الذي صاحب المغفور له ، ويالهول ماسمع : …نتأسف ، فقد تسلمتم المتوفي الخطأ ، وشقيقكم تسلمته عائلة أخرى ، وخلال مراسيم التغسيل أكتشفوا أنه ليس أباهم !!.
أسرع شقيقي وبصحبته أبناء الضحية ، وتسلموا ميتنا ، ثم ذهبوا به ليدفن من جديد ، فرحين بما اتاهم الله ، وزادهم نورا حينما اكتشفوا الحقيقة ، وهم يرددون ..اللهم لك الحمد .فقد جاءت ( العضة بالجلال)!!.
والان ، ومازال التقرير الطبي لمستشفى النعمان لم يظهر حتى لحظة صدور مقالي ، ياترى ، من يثبت ان شقيقي لم يقتل نتيجة الخطأ والاهمال ؟، لاسيما ان أولاد الراحل وشقيقي الأصغر المرافق له ظهرت مسحاتهم (Nagative) أي سالبة ، بمعنى غير مصابين ، وطيلة انتظار نتائح فحوصاتهم كانوا يعيشون في رعب وقلق ، ولم لايكون وهو الذي يعاني من أمراض مزمنة ، قد أصيب بالتلوث في احدى هاتين المؤسستين الصحيتين ؟..كما تسمى!!. ولو كان الراحل مصابا ( بالكورونا ) فعلا ، فما ذنب عائلة المتوفى الثاني اذا ماتعرضوا للاصابة عند تسلم وتغسيل والدهم؟. وهل يجوز ان يتم ايداع الموتى بغض النظر عن أسباب وفاتهم في ثلاجة واحدة لحفظ الجثث؟. وهل تغتفر هكذا أخطاء ونحن نواجه هذا الوحش اللئيم منذ شهور ؟.
لعمري لاأتجنى على أحد ، اذا ماقلت لكم ان أسباب عديدة تقف خلف تلك الكارثة ، أولها وأهمها ، فشل العملية السياسية العرجاء والعوجاء ، والنظام الحاكم ، والفساد والتجهيل المؤدلج ، ففي وقت بدأت فيه دول كانت أكثر ابتلاءً بهذا الخطر باعادة الحياة الطبيعية تدريجيا الى ماكانت عليه ، بعد تراجع أعداد الاصابات ، نجد أن حكومتنا ..(الرشيدة)!! ، ماتزال لاتفرق بين الموتى ، وتصدر تقارير التشخيص بعد الوفاة ، وتحشر الموتى غير آخذة بالاعتبار ان كانت الأسباب معدية ام لا ، ودون اعتبار لانتقال تلك العدوى لذويهم من الأحياء.
وهكذا وكما في كل مرة ، يبتلع أبناء جلدتي طعم الغدر والاهمال والجهل والفساد ، ولم لا ، فقد أرتضوا لأنفسهم ماقسم الله لهم ولاراد لارادته ..ومنهم عائلة أخي وأشقائي ، الذين ماانفكوا يولولون وينتحبون بالقول .. أريد الله يطلع حوبتنا بيهم..لكن أحدهم ، وهو يبغي مواساتهم انبرى بالقول ..: عمي موزين مادفنتوا واحد غيره بالغلط .. الحمد لله ( أجت العضة بالجلال)!!.
1-عبد الله السكوتي ، العضة بالجلال ، كتابات ، 11 كانون الثاني 2015

شاركنا الخبر
الأكثر مشاهدة
آخر الأخبار
%d مدونون معجبون بهذه: